السبت، 30 سبتمبر 2017

عاشوراء الإمام الحسين

إعداد/ الشيخ جمال الدين شبيب


تاريخ عاشوراء معروف لا ينسى، سبب ثورة الحسين معروف لا يغيب، باختصار،إن الإمام الحسين (ر) رأى الانحراف في  جسد الأمة - وهذا ما لم ينكرهاحد ممن قرأ وفهم ووعى تاريخ تلك المرحلة -  رأى  الحسين ذلك  فسعى لإصلاحه، مالكان  يريد أن يحقق  جاها ولا فخراً ولا موقعاً.. ..وهل يحتاجسليل النبوة  وسيد شباب أهل الجنة وخامس أهل الكساء،  هل يحتاج إلى مجدزائل وإلى موقع لا يبقى...
 في هذه الذكرى تختلط المشاهد ففيها يبرز مشهد السمو والارتقاء  الإنسانيالمليء بالعنفوان والبطولة ، تمثل في السيدة زينب وهي تقرّع  كبرياء يزيدوهي في حالة عاطفية ونفسية وجسدية لا يقوى أمامها أحد من البشر إلا أن ينهار بعد رحلة طويلة من السبي والرأس الشريف لأخيها الحسين امامها،  إلاأن زينب حلقت بإنسانيتها وتسامت وقالت ليزيد  : "فكِد كيدك، واسعَ سعيك،وناصِب جهدك، فإنك لن تمحو ذكرنا، ولن تميت وحينا" .
وفي المقلب الآخر كانت الصورة مختلفة ..كان المشهد مغايراً  مشهد  السقوطوالانحدار  والانهيار المريع الذي أصاب الأمة الإسلامية آنذاك، فيزيد الفاسق الشارب للخمر يُكرّس بعد هذه الفاجعة  خليفة للمسلمين وأميراعليهم، بعد أن  تخلص ممّن كان يشكل وجوده خطرا عليه .
تخيلوا المشهد؛ الأمة التي أفنى رسول الله حياته لأجلها،يبلّغ شرع اللهويركز أحكامه ويصوغ إنسانه ويفسر قرآنه من أجل تثبيت الاستقامة وإحقاقالعدل  ..  ها هو  خليفة المسلمين هو أول من يجاهر بالحرام يشرب الخمر،يتجاوز حدود الله ،يظلم ويفجر ويصل به الحد لطلب المبايعة من  الحسين ،يريد بكل  صلافة أن يأخذ شرعيته من ابن بنت رسول الله ..
كان يزيد مراهقا فاسدا أراد ان يحظى بان يكون هو الوصي على الدين والقيموالمبادئ  أي  سقوط في هذا للأمة وأي نكسة وكارثة كادت تحصل ... لولا انمنّ الله على الأمة بالحسين ليقف موقف البطولة والفداء ليعطل مشروع انحراف كاد أن يطيح كل مكتسبات الرسالة والدعوة الإسلامية والعودة بالأمة الى جاهليتها ..
عندما غادر رسول الله الحياة كان يعتقد أنه تارك في الناس صمامي أمان، ماإن تمسكوا بهما فلن يضلوا بعدهما أبدا : كتاب الله وعترته أهل بيته ..كتاب الله وسنته .. المشهد على مستوى الواقع الإسلامي كان  قاتماً ومظلما.. وحدهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة شكلوا نقطة الضوء ومبعث الأمل، ليس لمجرد القرابة بل لأنهم كانوا الملاذ لكل طالبي حق وعدل واستقامة ولكل من أراد أن يرى كيف يتحرك الدين ويتمثل إنسانا في ساحة الحياة...
لقد كان الحسين(ر) واعياً منذ انطلاقته لحجم الدور فهو لم يثر فقط لشخصيزيد بل لصمت أمة،  وخذلان رسالة،   وعفن  أصاب القلوب، وصدأ أصابالعقول،  ولحمية انطفأت  … وغيرة جُيّرت  لأجل  كل هذا ثار الحسين، وفياستشهاده أراد أن يهز كل هذا الواقع من ركوده ...
نعم ما دفع الحسين أخذ قراره بالسير في مشروع الثورة حتى النهاية وهويدرك حجم المخاطر والتضحيات أنه كان ينظر ليس فقط لحاضر الأمة بل أيضالمستقبلها ..كان يريد أن يوقظها من سباتها وأن يخرجها من صمتها ...ويذكر المؤرخون كيف عمل السلطة الأموية بجد لتثبيت هذا المنطق في الأمة..منطق الصمت والقبول بالواقع, ولم يوفروا أي وسيلة ...
أولها: ترسيخ قناعات خاطئة تتصل بالعقيدة زرعوها وحوّلوها الى عقائد مثل:المكتوب لا يمكن أن نقف في وجهه والله قدّره...  نعم، الأمويون هم منروجوا لفكرة الجبرية، فسادَ منطق  أن الاعمال كلها حتى السيئة هي بارادةالله ومن يقف في وجهها يعترض على مشيئته ..فسكت الناس..
 وثانياً:  روجوا لروايات ابتدعوها عن عدم جواز الخروج على الحاكم حتى لوكان جائراً.. ومن يخرج عليه فهو ظالم وباغ وباعث للفتنة..كما شهدت هذه المرحلة تزويراً ودسا لأحاديث كثيرة نسبت إلى رسول الله..
وثالثاً: أغدقوا على الأنصار والأتباع المال السياسي الذي تم من خلالهشراء الضمائر والمواقف وشراء السكوت، وقد اشتهر الأمويون بإغداق الأعطيات لجماعتهم، و لجذب المعارضين إليهم  ولهذا عم الفساد واستشرى.
 ورابع هذه الاسباب : السيف والعنف والقمع والبطش وصولا لقطع الألسن..مما زرع الخوف والرعب في النفوس  والقلوب...
استطاعوا أن يحولوا المجتمع الإسلامي من مجتمع يعيش القيم والمبادئوالتضحية من أجلها إلى مجتمع خنوع ذليل، همّه السلامة والدينار، إلىمجتمع يباع ويشترى..
 وتذكر سيرة عاشوراء كيف ان عبيد الله بن زياد والي يزيد على الكوفة..عندما أراد أن يواجه حركة مسلم بن عقيل.. وقف أمام الناس وهو يحمل صرة النقود بيد والسيف بيد وقال: المال لمن يترك مسلم بن عقيل والولاء للحسين، والسيف ينتظر من  يقف في وجهي.عندها راحت المرأة تخذل ابنها وزوجها، والزوج يخذل زوجته حتى تفرق الناس
خوفاً وطمعاً..
لهذا كله وجد الحسين (ع) ان واقع الأمة بات يحتاج الى زلزال الى صدمة ..تهزّ كل هذا الذل وهذا الخنوع… عليه ان يحوّل المسار و يقلب الصورةفكانت عاشوراء بكل آلامها وآمالها ومآسيها وبطولاتها..في كربلاء لم يستطع الحسين (ر) أن يحقق نصراً عسكرياً، ولم يقدر علىتحقيق هدفه بإسقاط حكم   وإعادة الحق إلى نصابه، لكن الحسين (ر) استطاعأن يرسم للأمة منهجاً، وهو أن ترفض الظلم والطغيان، في أي موقع كانالحاكم سواء أكان كبيراً أو صغيراً.. أن ترفع صوتها في وجه ظالمها..بالكلمة أو الموقف أو المواجهة .. فلا وجود في منطق الحسين(ر) للأكثرية الصامتة، الأكثرية الصامتة في موقع الظلم والطغيان هي شريكة للظالم بسلبيتها..
لقد أراد الحسين (ر) للأمة أن تستيقظ، فإن لم تستطع أن تسقط الظالم فعلى الأقل أن تنخر في عرشه من خلال عدم إعطاء الشرعية له، ان لا تدعه يرتاح أن تقلقه ولو سبب لها آلاماً وتضحيات.
 لقد علمنا دم الحسين (ر) وعلمتنا مواقف الحسين، وآلام وجراحات أهل بيتهوأصحابه أن نكون معنيين بكل مفردات واقعنا.. أن لا ننأى بأنفسنا عما يجري من حولنا..

أن لا نسكت على ظلم ظالم مهما كان .. . أن لا نبيع ديننا أو مواقعنا ومبادئنا لحساب دنيا فانية ونعيم زائل..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق