السبت، 16 أغسطس 2014

الإسلام .. دين الرحمة والاعتدال بقلم / الشيخ جمال الدين شبيب


إن الدين الاسلامي هو دين الرحمة والتسامح والوفاء والصدق والاعتدال. دين الاخلاق الحميدة الفاضلة دين الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يقول الله تعالى : «وما أرسلناك الا رحمة للعالمين» إنه الغيث الذي ما أصاب ارضاً اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج إنه الخير الذي يعم البشرية وتنعم به أمن وإيمان واطمئنان.
... فلا غلو ولاتطرف ولا تشدد في الاسلام إنه دين الوسطية والاعتدال والعدل يقول الله تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً» ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ويقول :«لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله وسنتي».
فالحلال ما أحل الله ورسوله والحرام ماحرم الله ورسوله، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع :«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت- قالها ثلاثاً – اللهم فأشهد»..
والدين الإسلامي هو دين يسر وليس عسر كما قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه “وماجعل الله في الدين من حرج”، وقوله تعالى:”يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”.
والحقيقة أن الغلو والتطرف والتشدد في الدين أمر طارىء مخالف لأحكام الشريعة الغراء قال الرسول صلى الله عليه وسلم: بعثت بالشريعة السمحة السهلة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، والذين يتشددون ويريدون إغراق الناس في تشدد حقيقة أن هذا خلاف ما جاء به الدين الإسلامي والرسول عليه الصلاة والسلام ما جاء بهذا الدين إلا ليكون لعبادة الله سبحانه وتعالى وفيه يسر.
ومما لا شك فيه أن ظاهرة التشدد في الدين بمختلف أشكالها وتجلياتها تنم عن اختلال في الفهم والتقدير، واختلاف في التصور والسلوك.  يقول ابن حجر عند شرحه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”(رواه البخاري) “والمشادة بالتشديد المغالبة. والمعنى لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب” فتح الباري 1/94).
وقد جعل الله عز وجل شريعته الغراء خاتمة الشرائع للناس كافة، ذكراً وأنثى، قوياً وضعيفاً، صحيحاً وسقيماً، لذلك جاءت ميسورة الفهم، سهلة التطبيق، تسع الناس أجمعين، ويطيقها كل المكلفين.
فالتيسير مقصد من مقاصدها، وصفة بارزة لأحكامها، من شأن المتمسك بها أن يسعد في الآخرة والأولى. لذلك نهى الله عز وجل عن الغلو والتشدد في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه العظيم، المبعوث رحمة للعالمين.
قال عز من قائل: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم “(النساء 171)، وقال أيضاً: “قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق” (المائدة 77). فهذا تذكير بتاريخ الغلو ومآله، وإن كان الخطاب موجهاً لأهل الكتاب، إلا أنه يشمل المسلمين كافة، لأن الدين عند الله الإسلام.
وقال تعالى: “لا يكلف الله نفساً إلا وسعها”(البقرة 286)، يقول ابن العربي: “وهذا أصل عظيم في الدين، وركن من أركان شريعة المسلمين، شرفنا الله سبحانه على الأمم بها، فلم يحملنا إصراً، ولا كلفنا في مشقة أمراً”( أحكام القرآن 2/49).
وقال عز من قائل: “والذين آمنوا وعلموا الصالحات لا نكلف نفساً إلا وسعها” (الأعراف 42). فهذه الآيات – وأخرى كثيرة في القرآن الكريم-،واضحة الدلالة على أن الله سبحانه وتعالى راعى في تشريعه للأحكام وسع عباده وطاقاتهم، ووضع عنهم الحرج والضيق تيسيراً عليهم. وهو أعلم بهذه الطاقات وحدودها، فشرع لها ما يلائمها، دون عنت ومشقة، قال تعالى: “ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير” (الملك 14).
قال تعالى: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم، عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رؤوف رحيم” (التوبة 128). فهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، وسنته هي الرحمة التي خلصت البشرية من إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. فكان أعظم الناس رأفة ورحمة، وكانت سيرته العطرة – قولاً وفعلاً وتقريراً – تجسيداً لمنهج التيسير، ومنعاً للغلو والتضييق في الأمور كلها.
قال صلى الله عليه وسلم: “إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. فسددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة “(رواه البخاري). قال الحافظ بن حجر- بعد ما بين معنى التشدد- : “سددوا وقاربوا، أي لا تغلوا ولا تقصروا، واقربوا من الصواب” (فتح الباري 1/181).
وقال صلى الله عليه أيضاً: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”(رواه البخاري ومسلم).عند شرحه لهذا الحديث يقول الإمام النووي: “إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده، لأنه قد يفعلهما في وقتين. فلو اقتصر على “يسروا” لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات، وعسر في معظم الحالات. فإن قال: “ولا تعسروا” انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه، وهذا هو المطلوب” ( شرح الإمام النووي على صحيح مسلم 6/170).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينوع في نهي أصحابه رضوان الله عليهم عن الغلو والتشدد، ويدعوهم بالتي هي أحسن لمنهج اليسر والرفق، مستعملاً في ذلك من الأساليب أحسنها وأفضلها، وأوقعها في نفوسهم، وأقربها إلى أفهامهم وعقولهم، حتى صاروا كالنجوم يهتدى بهم في غيابات الجهل والحيرة.

وفي الختام نخلص إلى أن معنى التشدد الذي ينكره الشرع الحنيف هو تجاوز حد الاعتدال والوسطية في الاعتقاد والقول والفعل. فالآيات الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، قطعية الدلالة على منع هذا النوع من التشدد، والحث على الالتزام بمنهج الحنيفية السمحة التي فطر الله الناس عليها لحكمة عليا في امتداد الحياة وارتقائها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الجزية .. رؤية معاصرة بقلم/ الشيخ جمال الدين شبيب


يرى كثير من أهل العلم أن مبدأ فرض الجزية على أهل الكتاب الذين يعيشون في ظل الحكم الإسلامي يأتي من باب المعاملة بالمثل كالعبودية والرقيق والسبايا، فحاكم مسلم يرفعها وحاكم آخر يقرها بحسب المصلحة والمعاملة. وليس نظاماً أساسياً من أنظمة الدولة في الإسلام بل يتطور بتطور العلاقات والظروف التي تجعل الدولة في حل من إسقاطها، حين تكون مصلحة الدولة في ذلك.
وللحاكم المسلم أن يراعي هذا بما يتفق مع مفهوم الدولة في العصر الحديث، والقائم على عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن، ولذلك تقبل مسمّى الضريبة أو ما في حكمها ولا تقبل الجزية فئات من المواطنين الذين يرتبطون برابطة الولاء للدولة مع مخالفتهم لجمهور الشعب في عقيدته. وقد يفرض عليهم ضرائب أو ما في حكمها استحقاقاً مجتمعياً عليهم دون إهانة لآدميتهم وإنسانيتهم.
وعطفاً عليه يجب تحرير كتب التراث من أخطاء سبق أن ارتكبت باسم الاسلام بتأثير من صراعات سياسية وعسكرية عنيفة أرخت بظلالها على تاريخ المسلمين. من ذلك ما ورد من أساليب الإهانة والصفع والرفس واللبس والزي المخالف، وكل أحكام أهل الذمة التي لا يقرها الإسلام، تفسيراً لقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) سورة التوبة. لأن كل ذلك مندفع بما قرره العلماء من أن الجزية لا تفرض إلا على من أعلن عداءه للدولة وهو من غير أبنائها.
وخير دليل على أن مفهوم الجزية ليس نظاماً أساسياً أن سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تصرف فيه بما يؤكد رعاية المصلحة في إقراره من عدمه. قال ابن قدامة في المغني: ولا تؤخذ الجزية من نصارى بني تغلب، وتؤخذ الزكاة من أموالهم ومواشيهم وثمرهم، مثليْ ما يؤخذ من المسلمين.
وبنو تغلب بن وائل، من العرب، من ربيعة بن نزار، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم عمر إلى بذل الجزية، فأبوا، وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال عمر: لا آخذ من [ص: 275] مشرك صدقة. فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين، إنّ القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجزية، فلا تعن عليك عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث عمر في طلبهم، فردهم، وضعف عليهم من الإبل من كل خمس شاتين، ومن كل ثلاثين بقرة تبيعين، ومن كل عشرين ديناراً ديناراً، ومن كل مائتي درهم عشرة دراهم، وفيما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو غرب أو دولاب العشر. فاستقر ذلك من قول عمر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فصار إجماعاً.
جاء في بحث ( الجزية في ظل الدول الإسلامية اليوم ) لمؤلفه الدكتور حمزة عبد الكريم حماد، عرض المؤلف هذه المسألة وذكر آراء الفقهاء المعاصرين الذين تكلموا في هذه القضية ووقف على أقوالهم، وحكى إجماعهم على سقوط الجزية عن أهل الكتاب في هذا العصر، وعطفاً عليه يحرم تهجيرهم من بلادهم فهم مواطنون من الدرجة الأولى ولكن عليهم أن يراعوا مشاعر المسلمين وهذا حق على ولي الأمر. وقد اختلف الفقهاء المعاصرون في علة ذلك على النحو التالي فقالوا:
أ- الجزية لا تفرض إلا على من قاتل، أما المواطنون من غير السلميين ممن لم يحاربوا الدولة فلا تفرض عليهم، ومبنى ذلك على أنّ القتال لا يشرع في الإسلام إلا للدفع فقط فنقاتل من قاتلنا، بدليل قوله تعالى: وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ (190) سورة البقرة، وقد يكون هناك ملحوظات على تعميم هذا يحتاج إلى علماء ربانيين يقررون ذلك.
ب- الجزية إنما شرعت في الإسلام بدل الدفاع عنهم والحماية لهم. ولذلك جاء في عهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: «أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله».
وقد طبق عمر رضي الله عنه هذا المبدأ الإسلامي العظيم حين مر بشيخ كبير يسأل الناس الصدقة، فلما سأله وعلم أنه من أهل الجزية، أخذ بيده إلى بيته وأعطاه ما وجده من الطعام واللباس، ثم أرسل إلى خازن بيت المال يقول له: «انظر إلى هذا وأمثاله فأعطهم ما يكفيهم وعيالهم من بيت مال المسلمين فإنّ الله يقول: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ (60) سورة التوبة والفقراء هم المسلمون، والمساكين هم أهل الكتاب».
وبناءً عليه فقد أجمع الفقهاء الذين استدل بقولهم الباحث الدكتور حمزة، بأنه في العصر الحديث يشترك الذميون في الدفاع عن الوطن مع المسلمين فتسقط الجزية عنهم أو يمنع وجوبها أصلاً، ويستدل صاحب هذا القول بمجموعة من الأحداث التاريخية. وقد يعبّر بعضهم عن الجزية بأنها بدل مالي عن الخدمة العسكرية المفروضة على المسلمين.
يذكر أن أبا عبيدة بن الجراح لما فتح أنطاكية ولىّ عليها (حبيب بن مسلمة) الفهري فغزا الجُرجُومة فلم يقاتله أهلها، ولكنهم طلبوا الأمان والصلح، فصالحوه على أن يكونوا أعواناً للمسلمين وعيوناً ومسالح في جبل اللكام وأن لا يؤدوا الجزية، ودخل من كان في مدينتهم في هذا الصلح، كما في فتوح البلدان للبلاذري. ج- علل بعض الفقهاء بأنّ الدول الإسلامية تعرضت للاحتلال الأجنبي؛ وعجز المسلمون عن حماية أنفسهم فضلاً عن ذمتهم وهذا مسقطٌ للجزية.
وقالوا: يجوز للإمام أن يعفي أهل الكتاب من المسيحيين واليهود منها جميعاً كما فعل أبو عبيدة حين أسقط الجزية عن أهل السامرة بالأردن وفلسطين، وكما أسقط عمر الجزية على ملك شهر براز وجماعته لقاء اتفاقه معهم على قتال العدو، وكما أسقط معاوية الجزية عن سكان أرمينية ثلاث سنوات، كما يجوز إعفاء كل ذمي دخل في الجيش الإسلامي أو قدم خدمة عامة للدولة، وهي أحكام مسلّمة معروفة في الفقه الإسلامي.
وهذا من سماحة الإسلام ويسره وخلود شريعته عبر اختلاف الزمان والمكان ..والله تعالى أعلم.
أين هذا الكلام مما يفعله بعض الغلاة والمتطرفين من قتل وتهجير للمخالفين..؟؟
( إن في ذلكك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)


الأحد، 10 أغسطس 2014

الشيخ شبيب: انتخاب سماحة الشيخ دريان مفتياً يحصن الساحة الإسلامية


هنأ رئيس الهيئة الإسلامية للإعلام الشيخ جمال الدين شبيب سماحة الشيخ عبد اللطيف دريان
بانتخابه مفتياً للجمهورية اللبنانية متمنياً له التوفيق في مهامه ولا سيما إعادة الاعتبار لموقع دار الفتوى كعنوان لنهج الاعتدال الإسلامي وداراً مرجعية جامعة لأبناء الطائفة السنية الكريمة وحاضنة لكل اللبنانيين.
 ورآى الشيخ شبيب أن انتخاب رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا سماحة الشيخ دريان مفتياً للجمهورية بما يقارب الاجماع الإسلامي والوطني والعربي من شأنه تحصين الساحة الإسلامية السنية التي عانت وتعاني من خطر الإرهاب والتطرف والصراعات السياسية.
وأكد الشيخ شبيب ان هذا الانتخاب الذي تم  مستفيداً من الزخم السياسي والعلمائي العربي واللبناني من شأنه أن يطوى صفحة مظلمة ومؤسفة مرت في تاريخ الطائفة السنية الكريمة إلى غير رجعة.وسيحصن الطائفة في مواجهة كل الأخطار والاستحقاقات الداهمة.
 ودعا الشيخ شبيب العلماء ولا سيما من كان لهم موقف مخالف إلى الالتفاف  حول سماحة المفتي الجديد وتقديم كل العون والدعم الممكن حتى يتمكن من السير بالطائفة والبلد إلى بر الأمان.
وشكر الشيخ شبيب سماحة المفتي السابق الشيخ محمد ىشيد قباني لتفهمه وتعاونه وحرصة على المصلحة العليا للمسلمين وموقع الافتاء.كما توجه الشيخ شبيب بالشكر للمسؤولين العرب وإلى رئيس الحكومة دولة الرئيس تمام سلام ورؤساء الوزارة السابقين وكل من ساهم في تجاوز هذا الاستحقاق بسلام.

وخص الشيخ شبيب بالشكر رئيس تحرير جريدة اللواء الاستاذ صلاح سلام الذي كانت لحكمته البالغة وحسن إدارته اليد الطولى في نجاح المساعي الطيبة وإنجاز انتخاب المفتي بالطريقة القانونية المشرفة.

الهيئة الإسلامية للإعلام : الاعتداء على الصحافيين جريمة لا يجوز أن تمر بدون عقاب


استنكرت الهيئة الإسلامية للإعلام اعتداء عناصر من الأمن اللبناني على بعض الصحافيين أثناء تأدية واجبهم الإعلامي في تغطية انتخابات مفتي الجمهورية اللبنانية في دار الفتوى . دون أي مراعاة لحرمة المكان أو المناسبة.

وطالبت الهيئة بتحقيق شفاف يحدد المسؤوليات ويقدم المرتكبين أمام القضاء لينالوا جزاءهم العادل باعتبار ما جري جريمة  بحق الأسرة الإعلامية لا يجوز أن تمر بدون عقاب.إذ من غير المقبول لأي كان أن يتصرف في دار الفتوى بهذه الطريقة المشينة المخالفة للقوانين وأصول اللياقة المتعارف عليها في التعاطي مع أهل الإعلام.

السبت، 2 مارس 2013

الاختلاف موجود .. لكن صيدا عصيّة على الفتنة





بقلم / الشيخ جمال الدين شبيب

إن الاختلاف بين الناس يقع في كثير من جوانب الحياة ونظمها؛ بسبب التنوع في الأفكار وأساليب التربية وعادات المجتمعات، وكذلك الاختلاف في الرؤى والاتجاهات والميول والآراء، وعدم وضوح الرؤية للموضوع من كل جوانبه، فالكل يدرك الموضوع من الزاوية التي ينظر إليها، وربما ينظر أحدهم من زاويتين أو أكثر، وربما ينظر من هو أوسعهم رؤية للموضوع من جميع زواياه. وما أحسن من قال: "إن الحقّ لم يُصبه الناس من كل وجوهه، ولم يخطئوه من كل وجوهه، بل أصاب بعضهم جهة منه، وأصاب آخرون جهة أخرى".

في صيدا اليوم بل في لبنان خلاف سياسي حاد يلبس لبوس الدين أو المذهب وإن كانت حقيقته لا تتعدى المصالح الشخصية والمكاسب السياسية. ووإننا وإن كنا لا نتصور بحال من الأحوال أن يكون أبناء الوطن على رأي واحد؛ لأنه لا يصحّ لأحد أن يصادم طبيعة البشر ( ولا يزالون مختلفين ) الرأي موجود والرأي الآخر موجود ولكن عندما يقود الاختلاف إلى تدمير الهيكل بمن فيه تلكم هي الفتنة والمصيبة الكبرى..

وعندما لا يضبط البعض انفعالاته ويغالي في مواقفه ويندفع بغرائزية قاتلة شحناً وتحريضاً وتحريشاً بين المسلمين بدل أن يستثمر سُنّة الاختلاف في تلاقح الأفكار، وتبادل المعلومات، وفضّ النزاعات، وتطوير مستوى الأداء بالتعرف على الرؤى المختلفة، واستخدام ذلك في إثراء المواقف والتعاون والتساند والتآزر والتكامل من أجل مصلحة الوطن الجامعة .. ندخل جميعاً في النفق المظلم ونعيش الدوامة المقلقة في كل صباح ومساء ونرى ما نحن عليه اليوم من ضنك وهمّ وتنازع وفرقة لا تخدم إلا عدونا الاسرائيلي المتربص بنا..

الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا اختلفوا والرسول- صلى الله عليه وسلم- بينهم، لكن كان هناك أدب لاتسفيه ولا تكفير ولا تنفير .. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ: "لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَأَدْرَكَ بَعْضَهُمُ العَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "سمعت رجلاً قرأ آية سمعت النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقرأ خلافها فأخذت بيده فانطلقت به إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فذكرت ذلك له فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: "كِلاكُمَا مُحْسِن ولا تختلفوا فإنَّ من كان قَبْلَكُم اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا"،

والخلاف في أركان الوضوء قام على أساس تفسير حرف الباء في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) (المائدة: 6)، كما وقع الاختلاف في صفة الأذان والإقامة والاستفتاح وصلاة الخوف وتكبيرات العيد.

والخلاف في صلح الحديبية حصل وجاء ليُرسِّخ حق الفرد في إعلان رأيه والدفاع عنه في حُريَّة كاملة وأمنٍ تام، وكانت وصيته الخالدة- صلى الله وعليه وسلم- لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري- رضي الله عنهما- ولنا جميعًا من بعدهما "بَشِّرا ولا تُنَفِّرَا.. يَسِّرا ولا تُعَسِّرا.. تطاوعا ولا تختلفا".

لا بد أن تكون هناك مُسَلَّمات بين المختلفين يجب أن يُقِرُّوا بها، وتكون حدًّا فاصلاً لا يَصِحُّ تجاوزه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

• أن لا نقبل بأن تكون لنا مرجعية في كل ما نهب إليه رأي غير المرجعية الإسلامية.. (ومَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلَى اللَّهِ) (الشورى: 10)، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء: 59). (فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء : 65). هذه أصول وقواعد، وعليها تُبْنَى كل الأحكام الفرعية والاجتهادات وتحل كافة المنازعات ...

• إن التدين يجب أن يحفظ للدين نَقاءه وصفاءه ووسَطِيَّته، وعلى كل متديّن أن يستوعب كل المذاهب الفقهية ويسير وفقاً لتعاليم الإسلام ومنهجه المعتدل المتوازن..

• على كل المختلفين أن يدركوا أن حب الوطن من الإيمان، وأن مصلحته تعلو على كل المصالح، وعلينا جميعاًأن نُضَحِّي في سبيله بمصالحنا الشخصية، ونذود عن وحدة بنيه وسلمه الأهلي بأرواحنا وأموالنا.

• أنّ الشعب اللبناني وصيدا جزء منه وأهلها مكوّن أساسي من مكوناته ..هو شعب عظيم حُرّ رشيد، وأهل وصيدا التي طردت المحتل الاسرائيلي وأذلته لا يصح لأحد أن يفرض نفسه عليها بالقوة والترهيب أو يتحدث باسمها وكأنها قاصرة لا رأي لها ولا موقف لعقلائها دون أن يفوضه في ذلك أحد.

إن الاختلاف داء به هلكت الأمم السابقة، وقد حذَّر النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمته منه أشد التحذير، فعن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ".

يا أهنا يا أحبابنا علينا أن نحرص جميعًا على وحدة المدينة والوطن وأهل السنة والجماعة يجب أن يكونوا صمام أمان في هذا الوطن لا صاعق تفجير لفتنة لا تبقي ولا تذر..، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- مدحه ربه فقال (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة: 128) فأين الرحمة والحرص على جماعة المؤمنين فيما نراه من وقائع وتحريض وشحن وتهديد ووعيد.

إننا لا ننفي وقوع الاختلاف في الرأي وهو أمر طبيعي ، وإنما نُحذِّر من الخلاف الذي يؤدي إلى تفريق أبناء المدينة الواحدة والوطن الواحد ، عبر إيقاع الخصومة والعداوة والتنازع فيما بينهم، وبدلاً من أن ننصرف إلى العمل والبناء والارتقاء، ومواجهة العدو المتربص بنا جميعاً .. يشغلنا شياطين الإنس والجن بعداوات مفتعلة يستجلبون من خلالها الفتن والنزاعات التي لا تجرعلى صيدا ولبنان إلا الويلات ..

وصدق الله العظيم ..(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلا إذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (الحج: 52).







البعد الاجتماعي في الإسلام



بقلم / الشيخ جمال الدين شبيب

إن من طبيعة المشروع الإسلامي أنّه قبل كلّ شيء مشروع تربوي مجتمعي، قبل أن يكون مشروعا سلطويا، هو مشروع تربوي يتّجه إلى النّفوس وإلى العلاقات لإصلاحها من طريق الإقناع والحضور الإلهي والقدوة الحسنة، وتوفير حاجات الناس الأساسية وتوفير المناخات النّظيفة المعينة على الصلاح.

وعندما رأينا الحكم الإسلامي في صورته الناصعة في العهد النّبوي والرّاشدي لم نر الأيدي والأرجل مكدّسة، ولا أسواط الجلاّدين، ولا المشانق منتصبة في كل حي بالمدينة، بل كادت وظيفة التقاضي تختفي لانعدام الحاجة إليها.

حتى أنّ حوادث إقامة الحدود القليلة جدّا إنّما كانت بطلب ملحّ متكرر من الواقعين فيها ابتغاء التطهّر الذاتي، كما حدث مع الصحابيين ماعز والغامدية، التي أثنى النّبي عليه السلام عليها فقال "قد تابت توبة لو وزّعت على أهل المدينة لوسعتهم"،

ولو تأملنا قليلاً في آيات القرآن الكريم سنجد -غالباً- ذكر الإيمان مقترنا بالعمل الصّالح، وكذلك الأمر في عموم السنّة. إقرأ مثلا سورة الهمزة، وسورة الماعون حيث يأتي تعريف الدّين تعريفا اجتماعياً، فالمكذّب بالدّين ليس هو من لا يؤمن بالله واليوم الآخر فقط كما هو التعريف العقدي الكلامي، وإنّما هو أيضا من يحتقر اليتيم ولا يبالي بالمسكين ويمتنع عن بذل العون للمحتاج، فلا تنفعه إذن صلاة يرائي بها.

إن التركيز على البعد التربوي والاجتماعي للإسلام أمر ضروري ونحن نرى اليوم توجهاً شاملاً للعودة إلى الحكم الإسلامي في أكثر من قطر مشرقي ومغربي.

هذا البعد الاجتماعي للإسلام هو الذي بدأت الحرب عليه ميكرة صبيحة وفاة صاحب الدّعوة عليه السلام، إذ اندلعت الردّة في عموم قبائل العرب ليست عودة إلى عبادة الأصنام أو حتى رفضا للجانب الروحي الفردي من الإسلام الذي ترمز إليه الصلاة. وإنّما كانت في بعض مناحيها رفضا للبعد المجتمعي ممثلا في نظام الدولة الاجتماعي وواجبها في جباية الزّكاة.

وهذا ما أوقع العديد من الصحابة في الحيرة والاضطراب اعتراضاً على الخليفة الصدّيق الذي قرّر شنّ حرب لا هوادة فيها ضدّ هذا النّكوص ، معلنا أنّه سيقاتل كلّ من أقدم على تشطير الإسلام وتجزئته - مستمسكا بجانب فردي روحي من الإسلام- رافضا قرينه ولازمه الاجتماعي السياسي الاقتصادي، فكانت أوّل حرب في التّاريخ تشنّ دفاعا عن حق الفقراء...

فهل يستفيد الإسلاميون اليوم في طريقهم للحكم من هذا الدرس البليغ فينطلقوا إلى الاستماع الجاد لوجع الناس وآلامهم والعمل على تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية... الطريق صعب لكن سلوكه ليس مستحيلاً؟





الإخوان المسلمون .. وتحديات المرحلة



بقلم / الشيخ جمال الدين شبيب

الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية في البلاد العربية والعالم الإسلامي ، تصف نفسها بأنها "إصلاحية شاملة". وتعتبر أكبر حركة معارضة سياسية في كثير من الدول العربية، أسسها حسن البنا في مصر في مارس عام 1928م كحركة إسلامية وسرعان ما انتشر فكر هذه الجماعة، فنشأت جماعات أخرى تحمل فكر الإخوان في العديد من الدول، ووصلت الآن إلى 72 دولة تضم كل الدول العربية ودولاً إسلامية وغير إسلامية في القارات الست.

ولطالما مثّّل سقوط نظام " مبارك " صاحب العلاقات الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية المعادية لإيران ووصول الإخوان المسلمين إلى حكم مصر بل وحكم أكثر من بلد عربي مشرقاً ومغرباً فرصة لنسج علاقة جديدة بين القوة السنية الصاعدة إلى الحكمم وبين الجمهورية الإسرمية الإيرانية على الرغم من وجود بعض التعارض المذهبي والسياسي بين الثورة الإسلامية وإخوان مصر.

وسرعان ما رحبت طهران بحكم الإخوان المسلمين لمصر، وتصوّر بعض القادة الإيرانيين أن انتخاب محمد مرسي رئيسًا لمصر انتصار للصحوة الإسلامية التي أطلقتها الثورة الإسلامية الإيرانية قبل أكثر من ثلاثة عقود.

لكن هذا التفاؤل الإيراني سرعان ما تبدد، بسبب الكثير من الوقائع والتطورات المستجدة التي أخذت تؤثر على السعي الإيراني للتقارب من القاهرة، وخاصة فيما يتعلق بانحيازهم إلى النموذج التركي في الحكم وابتعادهم ورفضهم للنموذج الإيراني أضف إلى ذلك اختلاف موقف البلدين الحاد من تطورات الأوضاع في سوريا، فضلاً عن سعي إخوان مصر للتقرب من المملكة العربية السعودية وقطر هو ما يؤرق لطهران.

الاخوان وتحدي نموذج الحكم

وهذا ما بدا واضحاً في كلام الدكتور محمد سعد الكتاتني عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين والمتحدث الإعلامي باسم الجماعة وأول رئيس لمجلس الشعب المنتخب بعد الثورة أمام وسائل الإعلام عندما أكد رفض الإخوان للنموذج الإيراني في قيادة الدولة ، مؤكدًا أن الجماعة هي واحدة ممن ينادي بالدولة المدنية بمعنى أن الشعب والأمة هم مصدر السلطات، ومن ثَمَّ يستطيع الشعب أن ينتخب رئيسه ويتمكن من محاسبته، موضحًا أن الإخوان ينادون إلى دولةٍ مدنيةٍ تعمل بمبادئ الشريعة الإسلامية التي تعدُّ في الأساس مبادئ تصلح للدنيا بأكملها لأنها داعمة لكل الحقوق والحريات.

فأي نموذج اختاروا ..؟ من مفارقات القدر أن النموذج التركي أصبح هو الحلم الذي يداعب خيال جماعة الإخوان المسلمين ويلهب قريحة الباحثين. محاولين الاقتداء بنهج حزب العدالة والتنمية التركي الذي يعد حزباً تعددياً يتشكل من فصائل متنوعة تجمع بين التوجهات الليبرالية والمحافظة والمعتدلة . ولكن حتى الآن لم يستطع إخوان مصرالخروج من النفق واستيعاب التيارات والقوى الوطنية المصرية المخالفة لهم ..ولعل هذا ما يقودهم نحو تحدٍ آخر.

والمطلوب احترام خصوصية تجربة كل نموذج والاستفادة من خبرات الجميع بما يعزز بناء مصر كدولة إسلامية قوية مهابة الجانب تسعى لتأمين القدرات الإنمائية والاجتماعية لأبنائها وتلتزم موقفاً سياسياً واضحاً من أعداء الأمة الغاصبين لمقدساتها لا تشوبه " تقيّ" ولا تمييع..

تحدي فهم الآخر واستيعابه

من يراقب اللحظة الراهنة التي تعيشها مصر الآن يرى أنها تتسم بدرجة عالية من الاستقطاب غير المسبوق في الحياة السياسية المصرية، حيث انشطر المجتمع المصري إلى قسمين: احدهما يؤيد الرئيس الإخواني محمد مرسي والآخر يعارضه، ويضم الفريق المؤيد جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية الموالية لها والمتفقة معها في مشروعها الاسلامي كالتيارات السلفية والجماعة الإسلامية المصرية ، في حين يضم الفريق المعارض القوى المدنية من كل التيارات السياسية والتوجهات، وهي تدفع نحو اختيار الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة ولا تعارض القوى المدنية في مشروعها وموقفها المعارض للرئيس وجماعته، الشعار الاسلامي ولا تعارض الشريعة الإسلامية باعتبارها المصدر الرئيسي للتشريع بل تتمسك القوى المدنية بثوابت الدولة المدنية الحديثة القائمة على المواطنة والحرية والديمقراطية معترفة بأن قيم المجتمع المصري هي قيم إسلامية. كيف تعامل الإخوان مع هذا التحدي؟

خاض الإخوان معركة الاستفتاء على الدستور وكسبوا الجولة بأكثر من 64 % من اصوات الناخبين وخاضوا معركة تمرّد القضاء وتلطي" فلول مبارك " خلف بعض الشخصيات السياسية كعمرو موسى والبرادعي وحامدين صباحي ..لكن هذا الأمر أوجد شرخاً عميقاً في المجتمع المصري. استطاعوا أن يحققوا الكثير لكن في مجال فهم واستيعاب المخالفين ربما لم يستطيعوا تقديم شيء سوى المنازلة والاحتكام إلى الشارع تارة وصناديق الاقتراع وكسبوا الانتخابات وعداء قطاعات عديدة مخالفة لهم من الشعب المصري اياً كان حجمها.

والمطلوب شيء من سعة الصدر السياسية التي يمكن من خلالها استيعاب المعارضة المصرية وإشراكها في الحياة السياسية ..

تحدي الاقتصاد المأزوم

إن الأزمة الاقتصادية المفتعلة أو الحقيقية، ومنع حل المشكلة الاقتصادية كان جزءًا ولا يزال من تطويع الإرادة المصرية تجاه إسرائيل، وهذا هو السبب الحقيقي في الضغوط الأمريكية لمنع مصر من حل أزمتها الاقتصادية، وبديهي أن مصر تختلف عن تونس، لأن مصر هي القوة العربية الكبرى أولًا، ثم هي دولة مواجهة وعلى حدود إسرائيل من ناحية ثانية.

ومنذ جاء الإخوان إلى الحكم في مصر وبوادر الحرب الاقتصادية على اقتصاد مصر تتراكم يوماً بعد يوم. ورغم محاولات الحكومة المصرية تسويق خطة اقتصادية استثمارية على 3 مراحل، الأولى بضخ نحو 45 مليار دولار لتشغيل المصانع المتوقفة بسبب الأزمة المالية الراهنة، والمرحلة الثانية سيتم فيها إنشاء شركات ومصانع جديدة فى منطقتى التجمع الخامس والسادس من أكتوبر، بينما تهدف الثالثة إلى توظيف أكثر من250 ألف شاب كل عامين، وستكون الأولوية للحاصلين على مؤهلات المعاهد الفنية والصناعية، لكن سرعان ما بدأ اللعب بالبورصة والدفع بالجنيه المصري للإنخفاض في مقابل الدولار في ظل شح المال الخليجي إن لم نقل انقطاعه.

والمطلوب مصارحة الشعب المصري ووضع كافة القوى أمام مسؤولياتها الوطنية والاستفادة من طاقاتها وإشراكها في معالجة الأوضاع الاقتصادية ونسج شبكة أمان مالية محلية من التمولين والمستثمرين المؤمنين بالمنهج الاقتصادي الاسلامي . وبين الدول الإسلامية القابلة سياسياً والقادرة اقتصادياً على تعويم الاقتصاد المصري فبل حلول الكارثة.

تحدي استعادة الدور المصري المفقود بعد كامب ديفيد

مصر المحروسة هي بوابة العرب وقوتهم من قوتها، ولها تأثير كبير في رسم السياسة العربية والعرب خسروا كثيراً عندما غاب الدور المصري نتيجة توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات اتفاقية السلام مع “إسرائيل” إذ منذ توقيع تلك الاتفاقية شهد النظام العربي تدهوراً مستمراً نتيجة خروج مصر من الساحة العربية.

وبإزاء التركة الثقيلة التي ورثها الإخوان وفي مقدمها اتفاقية كامب ديفيد مع كيان العدو الصهيوني برز تضارب واضح في موقف الإخوان تجاه هذه الاتفاقية والموقف الأميركي الداعم لها حيث أكدت فيكتوريا نولاند المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية ان جماعة الاخوان المسلمين قدمت تأكيدات واضحة بأنها تؤيد معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل‏.‏

وقالت نولاند في رد علي سؤال حول امكانية عدم اعتراف الاحزاب الإسلامية في مصر بمعاهدة كامب ديفيد لقد اعطونا تعهدا واضحا بتأييد المعاهدة, وأكدت لدينا تطمينات جيدة بشأن تلك القضايا وسنستمر في التأكد من الاهتمام بتلك الأمور في مصر.

فيما علي الجانب الآخر, نفي القيادي بجماعة الاخوان المسلمين في مصر ابراهيم منير المتحدث باسم الاخوان في أوروبا ان تكون الجماعة اعطت اي ضمانات لواشنطن بشأن احترام اتفاقية كامب ديفيد مع الكيان الإسرائيلي علي حد قوله.

لكن الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام السابق للجماعة يوضح موقفها: «هذه المسألة ثابت من ثوابت الجماعة وليست محل جدل أو نقاش»، مشيراً إلى أن «إسرائيل في نظر الجماعة مجرد كيان صهيوني مغتصب لأراضينا العربية والإسلامية المقدسة، قام علي (الجماجم) والدماء، وسنعمل على إزالته مهما طال الزمن»

لكن الأمر بعد قيام ثورة 25 يناير في مصر بات يشوبه شيء من الالتباس بعد بروز أصوات إخوانية ترى أن اتفاقية كامب ديفيد لا تراجع عنها وان كان من الممكن تعديل بعض البنود فيها، وهذا مايبدو واضحاً كرساله لإسرائيل وللقوى الدوليه بأنهم – أي الإخوان لنم يأتوا إلى الحكم لدمار الدوله العبريه كما هو مشهور عن الإسلاميين عامة.

والمطلوب العودة والالتزام عملياً بما قاله المرشد السابق محمد مهدي عاكف، وقد شارك الاخوان منذ البدايه في حرب فلسطين ضد إنشاء الدوله العبريه، مما كان له أكبر الأثر في اضطهاد الجماعه تاريخياً بسبب بلائهم الحسن في هذه المعارك، وكان له أكبر الأثر في تاريخ الجماعه أيضاً وأدبياتها حيث تبنت قضية فلسطين تماماً في الأناشيد والفكر واستراتيجية التوجه الفكري العام،

ومن الجدير بالذكر أن حركة حماس تتبع فكر الجماعه في كل شيء تقريباً، وتعتبر فرع الجماعه في فلسطين، ومواقفها العامه من كل القضايا تنبع مباشرة من رؤية الاخوان المسلمين العامه لكافة القضايا.

تحدي العلاقات مع الدول الخليجية

تتمتع حركة الإخوان بتأييد كبير في الاوساط الشعبية الخليجية ولكن على الرغم من اتباع الاخوان المسلمين على وجه الخصوص، سياسة ضبط النفس، وتجنب اي صدام مع السلطات في بلدان الخليج. لكن الدول الخليجية تشعر بالقلق من سيطرة الاخوان على مصر وتونس وليبيا والسودان ومحاولتهم للسيطرة على الاردن واليمن وسورية، مما يجعل هذه الدول محاصرة وبالتالي مهددة بالسقوط في ايدي المحور الاخواني الجديد، تطبيقا لنظرية 'الدومينو' السياسية.

ومن يتابع الاعلام الخليجي اليوم، والسعودي منه على وجه الخصوص، يلمس وجود حملة شرسة ضد حركة الاخوان المسلمين، والتيارات الاسلامية بشكل عام. هذه الحملة على الاخوان، وربما التيارات السلفية لاحقا، تشكل نقضا لتحالف تاريخي بين الانظمة الخليجية المحافظة وهؤلاء، وهو التحالف الذي ادى الى استقرار هذه الانظمة، ومحاربة كل الافكار اليسارية والقومية التي كانت تشكل تهديدا لهذا الاستقرار في نظر الحكام.

وإذا كان الإخوان يراعون الموقف الخليجي فلا يبادرون إلى تعزيز علاقاتهم بإيران ومحورها بل ينازلونها في سوريا ما يجعل علاقاتهم معها أكثر تعقيداً . فإن الخليجيين لا يبدون أية حماسة لنجاحالإخوان في قيادة مصر نحو استعادة دورها الطليعي في المنطقة.بل يناصبونها العداء والضغط الاقتصادي والسياسي دون إعلان ..

والمطلوب مواجهة السعار الإعلامي بالعقل والروية وترشيد الأمور وتعزيز العلاقات على قاعدة الموازنة بين القوى الخليجية عرباً وعجماً على قاعدة الخروج من دائرة الاستخدام إلى دائرة خدمة المشروع الإسلامي العام بخطوطه الرئيسية دون الخوض في خصوصيات الدول وتناقض أدواتها السياسية.

التحدي المذهبي

لطالما نادى الإخوان في أدبياتهم بوحدة الأمة الإسلامية وضرورة التعاون بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم لكن الصراعات السياسية أرخت بظلالها المذهبية على موقف الإخوان مما اعتبروه تمدداً شيعياً على حساب الأكثرية السنية في العالم الإسلامي.

ولطالما مثلت ساحات الصراع الساخنة في سوريا أو البحرين أو العراق وحتى في المنطقة الشرقية من السعودية سبباُ للخلاف السياسي المستحكم.

وتتفاوت الحدة في التناقض وارتفاع منسوب المصراع المذهبي بين الإخوان وإيران بحسب الأقطار ففي سوريا التي يخوض فيها الإخوان صراعاً دموياً مع نظام الرئيس الأسد حليف إيران يعلن إخوانه على لسان المرشد " الشقفة" أنهم سيكسرون ظهر الهلال الشيعي..فيما إخوان مصر يحاولون مد جسور التعاون " الحذر" مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في محاولة للخروج من نفق الفتنة المظلم المطل على عالمنا العربي..

وهذا التحدي المذهبي يكاد يكون الأخطر إذ يمكن اعتباره قنبلة تدميرية موقوتة تهدد العالم الإسلامي لا مناطق النزاع فحسب. والمطلوب العودة إلى الجذور واستقرائها والسعي إلى إعادة صياغة العلاقات مع القوة الإسلامية الشيعية الأكبر " الجمهورية الإسلامية الإيرانية" وفقاً للأسس الإسلامية الراسخة حتى لو تباينت القراءات السياسية والدفع باتجاه رأب الصدع وتحديد الأولويات وتوجيه الصراع باتجاه أعداء الأمة بدل الغرق في مستنقع الدويلات الطائفية المتناحرة.